محمد بن علي الشوكاني

205

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

يموت غالبا . وكان يقول : أيّ لذة لحاكم إذا كانت رعاياه يدعون عليه . وما كان يخلو ليله من قيام ودعاء . وكان يعظّم أهل العلم ، وإذا كان عنده أحد منهم لم يسند ظهره بل يقبل إليه بوجهه ويؤنسه بالقول والفعل ، وكان سليم الباطن ليس عنده دهاء ولا مكر ولا يصبر على الأذى [ و ] لا يداري أحدا من الأمراء . وقدم إلى مصر في سنة ( 738 ) فخرج السلطان لملاقاته ، فلما رآه ترجّل جميع من معه من الأمراء فألقى ( تنكز ) نفسه من فوق الفرس إلى الأرض وأسرع وهو يقبّل الأرض حتى انكبّ على قدمي السلطان فقبّلهما فأمسك رأسه بيده وأمره بالركوب . وقدم في سنة ( 739 ) فكانت قيمة تقادمه للسلطان والأمراء مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار . وبالغ السلطان في إكرامه حتى أخرج له نساءه فقبّلن يده . وله محاسن منها أنه نظر في أوقاف المدارس والجوامع والمساجد والخوانق والزوايا والرّبط فمنع أن يصرف لأحد جامكية حتى [ يلمّ ] « 1 » شعثها فعمّرت كلّها في زمانه أحسن عمارة . وأمر بكسح الأوساخ التي في مقاسم المياه التي تتخلل الدّور ، وفتح منافذها وكانت انسدت فكان الوباء يحصل بدمشق كثيرا بسبب العفونات فلما صلح ذلك زال ما كان يعتادهم كلّ سنة من كثرة الأمراض فكثر الدعاء له . وأجرى العين إلى بيت المقدس بعد أن كان الماء بها قليلا وأقاموا في عملها سنة . وأكثر من فكاك الأسرى وأعظم ربح التّجّار الذين يجلبونهم . وجمع الكلاب فألقاها في الخندق ، واستراح الناس من أذاها ، ولما انتهى حظّه وبلغ الغاية في هذه الدنيا أشهر في الناس أنه عزم على التوجه إلى بلاد التتار حتى بلغ ذلك السلطان فتغيّر عليه وتنكّر لتنكر وجهّز العساكر [ لإمساكه ] « 2 » مع جماعة من الأمراء وليس عنده خبر ، فلما بلغه الخبر بوصول الجند والأمراء لإمساكه بهت لذلك وقال ما العمل ؟ قالوا تستسلم فاستسلم وجهّز سيفه إلى السلطان . وذلك في ذي الحجّة سنة ( 740 ) وتأسّف أهل دمشق عليه .

--> ( 1 ) في [ ب ] يرم . ( 2 ) في [ ب ] بإمساكه .